من شغف الطيران إلى صناعة تجربة سياحية جديدة هل تجد المناطيد مكانها في السياحة الجزائرية؟

لطالما ارتبطت السياحة في الجزائر بتنوع طبيعي استثنائي يمتد من الساحل إلى الجبال والهضاب والواحات والصحراء، غير أن التحدي لم يعد في امتلاك المقومات بقدر ما أصبح مرتبطاً بالقدرة على تحويلها إلى منتجات سياحية مبتكرة وقابلة للاستثمار والتسويق. وفي هذا السياق، تبرز سياحة المناطيد كأحد الأنشطة التي يمكن أن تمنح للوجهة الجزائرية تجربة مختلفة، تجمع بين المغامرة واكتشاف الطبيعة والترويج للمواقع السياحية من زاوية جديدة.

نوال الهواري

فالمناطيد لا تطرح نفسها فقط كوسيلة للفرجة أو نشاط مرتبط بمهرجان يقام لأيام محدودة، وإنما يمكن أن تشكل، إذا توفرت لها الشروط التنظيمية والتقنية والترويجية، جزءاً من منتج سياحي متكامل يربط بين التحليق والإقامة واكتشاف المناطق الطبيعية والتراثية والأنشطة الثقافية والمغامرات.

ومن هذا المنطلق، يفتح تنظيم مهرجان المناطيد في الجزائر نقاشاً أوسع حول إمكانية تحويل هذا الحدث إلى موعد سياحي قادر على استقطاب الزوار من داخل الجزائر وخارجها، وعلى تنشيط قطاعات مرتبطة به، من الفنادق والمطاعم والنقل ووكالات الأسفار إلى الحرف والخدمات المحلية. كما يطرح أسئلة حول جاهزية المواقع الجزائرية لاحتضان هذا النوع من السياحة، ومدى توفر شروط السلامة والتكوين والتأطير، ودور الظروف الجوية في تحديد أماكن ومواسم التحليق.

في هذا الملف، نسلط الضوء على نشاط المناطيد في الجزائر من زاويتين متكاملتين: الأولى سياحية واقتصادية، من خلال الحديث عن فرص تحويل المناطيد من فعالية موسمية إلى منتج سياحي مستدام، والثانية تقنية ومناخية، من خلال التوقف عند المناطق التي يمكن أن تكون مناسبة للتحليق، وتأثير الرياح ودرجات الحرارة والتضاريس، وأفضل الفترات الجوية لممارسة هذا النشاط.

ماهر حمور خبير سياحي: المناطيد يمكن أن تتحول إلى منتج سياحي قائم بذاته

يرى الخبير السياحي حمور أن سياحة المناطيد يمكن أن تنتقل في الجزائر من مجرد نشاط ترفيهي محدود إلى منتج سياحي قائم بذاته، شريطة ربطها بالطبيعة والتراث والثقافة المحلية وإدماجها ضمن برامج سياحية منظمة.

نوال الهواري

ويستند هذا التوجه إلى ما تزخر به الجزائر من تنوع جغرافي يمتد من الصحراء والهضاب والجبال إلى السواحل، إلى جانب المساحات الواسعة وغير المكتظة، خاصة في المناطق الصحراوية، والمناظر الطبيعية التي يمكن اكتشافها من الجو، فضلاً عن التنوع الثقافي والتراثي الذي يمكن دمجه في تجربة المنطاد.

وبحسب حمور، فإن قيمة هذه التجربة لا تكمن فقط في التحليق، وإنما في ما يمكن أن توفره من طريقة مختلفة لاكتشاف الوجهة الجزائرية، من خلال مشاهدة المناظر الطبيعية من الأعلى، وتقديم تجربة هادئة ومميزة لمحبي الطبيعة والمغامرة، وتنويع العرض السياحي، فضلاً عن دعم السياحة الصحراوية والبيئية والريفية.

كما يمكن، وفق الخبير، أن تشكل سياحة المناطيد عامل جذب للسائح الأجنبي، خصوصاً إذا قُدمت في إطار تجربة متكاملة تجمع بين الرحلة بالمنطاد، واكتشاف المنطقة، والإقامة، والمأكولات التقليدية والأنشطة الثقافية. ويرى أن الصور والفيديوهات الناتجة عن هذه الرحلات يمكن أن تتحول بدورها إلى أداة للترويج للوجهة الجزائرية عبر المنصات الرقمية.

غير أن تحويل هذه الفكرة إلى منتج مستمر يتطلب، حسب حمور، تجاوز منطق التظاهرة المناسباتية، والعمل على تنظيم رحلات مناطيد منتظمة في المناطق المؤهلة، وإنشاء مؤسسات متخصصة في هذا النوع من السياحة، وإدماجه ضمن برامج وكالات السفر والسياحة، مع ربطه بالفنادق والمخيمات السياحية والمطاعم ووسائل النقل.

ويشدد الخبير كذلك على أهمية وضع برامج موسمية تتلاءم مع طبيعة كل منطقة، والترويج للمنتج عبر المنصات الرقمية والأسواق السياحية الدولية، إلى جانب تكوين طيارين وأطقم محلية وفق معايير السلامة المعتمدة، ووضع إطار تنظيمي واضح يضمن سلامة النشاط وحماية البيئة.

كما يقترح إنشاء باقات سياحية بأسعار مختلفة، تستهدف السياح الجزائريين والأجانب، عل أن يُستغل المهرجان نفسه كوسيلة للتعريف بهذا المنتج والترويج له، لا باعتباره المنتج السياحي الوحيد.

وبذلك، يخلص حمور إلى أن سياحة المناطيد تملك مقومات التحول إلى منتج سياحي حقيقي في الجزائر، غير أن تحقيق ذلك يظل مرتبطاً بالانتقال من النشاط المناسباتي إلى الاستثمار والتنظيم والاستمرارية، واستغلال التنوع الطبيعي والثقافي للبلاد في بناء تجربة سياحية قابلة للتسويق دولياً.

دايري يعقوب جلول رئيس الجمعية الوطنية للاسفار والسياحة التربوية للشباب:

سياحة المناطيد.. من فعالية موسمية إلى منتج سياحي قابل للتسويق

ثمن دايري يعقوب جلول رئيس  الجمعية الوطنية للاسفار والسياحة التربوية للشباب، سياحة المناطيد في الجزائر  كونها تملك مقومات التحول إلى منتج سياحي قائم بذاته، شريطة تجاوز النظرة إليها كنشاط ترفيهي أو فعالية مرتبطة بمهرجان موسمي، والعمل على بناء تجربة سياحية متكاملة ومستدامة تجمع بين التحليق والخدمات السياحية والثقافية والترفيهية.

مقومات جغرافية وثقافية تفتح المجال أمام تجربة جديدة

ويشير دايري إلى أن الجزائر تمتلك تنوعاً جغرافياً وثقافياً مهماً يمكن أن يشكل قاعدة لتطوير سياحة المناطيد، بالنظر إلى امتدادها من الصحراء والهضاب إلى الجبال والمناطق الريفية والواحات، إضافة إلى المدن والمواقع التاريخية والطبيعية.

ويتيح هذا التنوع، حسبه، تقديم تجارب جوية مختلفة من منطقة إلى أخرى، إذ تختلف تجربة التحليق فوق الصحراء عن تلك التي يمكن أن توفرها المناطق الجبلية أو الواحات أو المواقع التي تجمع بين التراث العمراني والطبيعة.

غير أن هذه المقومات الطبيعية، يضيف رئيس ديوان السياحة، تحتاج إلى تأطير وتنظيم حتى تتحول إلى منتج سياحي حقيقي، من خلال دراسة المناطق المؤهلة، وتحديد مواقع الإقلاع والهبوط، ووضع منظومة للسلامة والتأمين والتكوين، وتنظيم النشاط بالتنسيق مع الجهات المختصة.

تجربة مختلفة لتنويع العرض السياحي

ولا تقتصر أهمية المناطيد، وفق دايري، على كونها وسيلة للترفيه، بل يمكن أن تضيف بعداً جديداً إلى العرض السياحي الجزائري من خلال تقديم الوجهة من زاوية مختلفة.

فالسائح، حسبه، لم يعد يبحث فقط عن زيارة المواقع والتقاط الصور، وإنما عن تجربة وذكريات وقصة يعيشها، وهو ما يمكن أن يوفره التحليق في منطاد عبر إتاحة مشاهدة الطبيعة والمشهد العمراني والتراثي من الأعلى.

كما يمكن لهذا النشاط أن يخدم أكثر من نمط سياحي في الوقت نفسه، على غرار السياحة الصحراوية والبيئية والثقافية وسياحة المغامرات والتصوير، فضلاً عن المساهمة في اكتشاف مناطق سياحية جديدة تمتلك مؤهلات لكنها تحتاج إلى منتجات مبتكرة لجذب الزوار.

فرصة لاستقطاب السائح الأجنبي

ويعتبر دايري أن سياحة المناطيد يمكن أن تشكل أيضاً عامل جذب للسائح الأجنبي، خصوصاً بالنسبة إلى الباحثين عن التجارب غير التقليدية المرتبطة بالطبيعة والمغامرة والثقافة.

ويؤكد أن تقديم رحلة المنطاد ضمن برنامج سياحي متكامل يمكن أن يحولها من مجرد نشاط منفرد إلى تجربة جزائرية متكاملة، تجمع بين اكتشاف الصحراء أو التراث والطبيعة والتحليق والإقامة والمرافقة السياحية.

غير أن استقطاب السائح الأجنبي، يضيف، يتطلب توفير تجربة قابلة للحجز عبر الإنترنت، ومعلومات باللغات الأجنبية، ومعايير واضحة للسلامة والجودة، إلى جانب النقل والإقامة والمرافقة السياحية.

كما يبرز دور الترويج الدولي في إنجاح هذا المنتج، من خلال إنتاج محتوى بصري احترافي يظهر تجربة التحليق والمناطق التي يمكن اكتشافها من الجو، والاستفادة من وكالات السفر ومنصات السياحة الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي.

المهرجان.. نقطة انطلاق وليس غاية

ويضع دايري نجاح تجربة تيميمون في قدرتها على تجاوز حدود المهرجان، معتبراً أن تنظيم التظاهرة يمكن أن يكون بداية لبناء نشاط سياحي مستمر، وليس غاية في حد ذاته.

ويتم ذلك، حسبه، من خلال وضع استراتيجية تسمح بتنظيم رحلات مناطيد خارج فترة المهرجان وفق رزنامة تراعي الظروف المناخية ومتطلبات السلامة، إلى جانب تصميم برامج سياحية متكاملة تجمع بين رحلة المنطاد والإقامة وزيارة المواقع الطبيعية أو التراثية والوجبات التقليدية والأنشطة الثقافية والنقل والمرافقة.

إدماج المتعاملين المحليين وبناء سلسلة اقتصادية

ويشدد رئيس ديوان السياحة على ضرورة إشراك القطاع الخاص ومؤسسات السياحة والأسفار والفنادق والمطاعم والحرفيين والمرشدين السياحيين في هذه التجربة، حتى تصبح سياحة المناطيد جزءاً من سلسلة اقتصادية محلية متكاملة، وليس نشاطاً منفصلاً.

كما يمكن للمهرجان، حسبه، أن يتحول إلى منصة للترويج للوجهة واستقطاب المستثمرين والمتعاملين السياحيين، وتنظيم عروض وفعاليات موازية، مع مواصلة تسويق المنطقة طوال السنة.

السلامة والتكوين.. شرط لاستدامة النشاط

ويؤكد دايري أن تطوير سياحة المناطيد لا يمكن أن ينفصل عن متطلبات السلامة والتكوين والتأمين والتراخيص، باعتبار أن ثقة السائح وجودة التجربة تشكلان أساس نجاح أي منتج سياحي.

ومن هذا المنطلق، يبرز أهمية وضع منظومة واضحة للتكوين والسلامة والتنظيم، بالتوازي مع تطوير برامج قابلة للحجز والتسويق، بما يسمح ببناء علامة سياحية مرتبطة بسياحة المناطيد في الجزائر.

من صورة جميلة إلى منتج سياحي مستدام

ويخلص دايري إلى أن الجزائر لا تفتقر إلى المناظر والمقومات التي تسمح بتطوير هذا النوع من السياحة، وإنما تحتاج إلى تحويل هذه الإمكانات إلى منتج منظم وقابل للاستثمار والتسويق.

فالرهان، حسبه، لا يكمن فقط في تنظيم مهرجان للمناطيد، وإنما في الوصول إلى مرحلة يصبح فيها التحليق فوق الصحراء أو الطبيعة أو المواقع التراثية تجربة سياحية يمكن للسائح أن يخطط لرحلته من أجلها، وبذلك تنتقل المناطيد من حدث مؤقت إلى منتج سياحي مستدام.

————————-

فضل الرحلات خلال الصيف في الساعات الأولى من الصباح، قبل اشتداد التسخين السطحي والحمل الحراري بوعلام بسايح:

الرياح العامل الحاسم في اختيار مواقع تحليق المناطيد

لا تخضع إمكانية تحليق المناطيد في الجزائر لجاذبية المواقع السياحية فقط، وإنما ترتبط بدرجة كبيرة بالظروف الجوية وطبيعة التضاريس، وفق ما يوضحه بوعلام بسايح، المختص في التوقعات الجوية على مستوى الديوان الوطني للأرصاد الجوية ، الذي يرى أن الجزائر تتوفر على مناطق عديدة قابلة لاحتضان هذا النشاط، لكن بدرجات متفاوتة من الملاءمة.

نوال الهواري

ويشير بسايح إلى أن الرياح والتضاريس يمثلان العاملين الأساسيين عند اختيار مواقع التحليق، باعتبار أن المنطاد لا يستطيع التحكم في اتجاهه أفقياً كما تفعل الطائرات، ما يجعل اختيار منطقة تتسم برياح ضعيفة ومستقرة أمراً أساسياً، خصوصاً في الطبقات القريبة من سطح الأرض.

وفي هذا السياق، تبدو المناطق الصحراوية من الخيارات الملائمة، بالنظر إلى اتساع مساحاتها وقلة العوائق فيها، حسبه غير أن ارتفاع درجات الحرارة خلال النهار قد يؤدي إلى اضطرابات جوية وحمل حراري، لذلك تكون الرحلات أكثر ملاءمة خلال الساعات الأولى من الصباح، قبل اشتداد التسخين السطحي.

الرياح تحدد مسار المنطاد

ويعد بسايح الرياح العامل الأكثر تأثيراً في سلامة ونجاح التحليق، موضحاً أن المناطيد لا تملك وسيلة دفع أفقية حقيقية، وبالتالي فإن مسارها الأفقي تحدده الرياح بدرجة كبيرة.

وفي المقابل، يستطيع الطيار التحكم في الارتفاع والاستفادة من اختلاف اتجاه وسرعة الرياح بين الطبقات، غير أن ذلك لا يسمح بالتعامل مع الرياح القوية. ولهذا، فإن تقييم سرعة الرياح وهباتها واتجاهها ومدى تغيرها مع الارتفاع، يمثل جزءاً أساسياً من القرار المتعلق بإمكانية التحليق.

كما تؤثر درجات الحرارة على أداء المنطاد، إذ إن ارتفاع درجة حرارة الهواء الخارجي يؤدي إلى انخفاض كثافته، وبالتالي تتراجع قوة الرفع المتاحة للمنطاد عند ثبات درجة حرارة الهواء داخل غلافه.

الصحراء ملائمة.. لكن ليست بشكل مطلق

ولا يرى المختص أن الصحراء هي الخيار الأفضل بشكل مطلق، وإنما يرجح ملاءمتها في كثير من الحالات بسبب طبيعة فضائها المفتوح، وسهولة اختيار مناطق الهبوط، إلى جانب وضوح الرؤية في العديد من المناطق ووجود مساحات ذات تضاريس منخفضة ومستوية نسبياً، بما يقلل من تأثير العوائق على حركة الرياح.

وبذلك، فإن اختيار موقع التحليق لا يقوم على عامل الحرارة أو طبيعة المنطقة الصحراوية وحدهما، وإنما على مجموعة من المعطيات الجوية والجغرافية التي ينبغي تقييمها قبل كل رحلة.

الربيع والخريف.. والصيف في الصباح

وبخصوص مواسم التحليق، يوضح بسايح أن الأرصاد الجوية يمكن أن تحدد فترات تكون فيها الظروف أكثر ملاءمة، غير أن الفصل في حد ذاته لا يمثل العامل الحاسم، لأن القرار النهائي يرتبط بالحالة الجوية المسجلة في يوم التحليق.

وبصفة عامة، يمكن أن يوفر الربيع والخريف ظروفاً ملائمة للتحليق في العديد من المناطق، بينما تفضل الرحلات خلال الصيف في الساعات الأولى من الصباح، قبل اشتداد التسخين السطحي والحمل الحراري.

ويبقى القرار النهائي، حسب المختص، مرتبطاً بسرعة الرياح واتجاهها واستقرار الغلاف الجوي، إلى جانب التأكد من غياب العواصف والظواهر الجوية الخطرة.

وتضع هذه المعطيات الظروف الجوية في صلب تجربة المناطيد بتيميمون، إذ إن نجاح النشاط لا يتوقف فقط على جاذبية المشهد الصحراوي، وإنما أيضاً على اختيار مواقع التحليق وتوقيت الرحلات وملاءمة الظروف الجوية في كل يوم من أيام التظاهرة

————

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *